اليزيدي وش يرجع؟ هذا السؤال يحمل في طياته بحثاً عميقاً عن الجذور التاريخية والعرقية والدينية لواحدة من أقدم وأكثر المجموعات الدينية تميزاً في الشرق الأوسط. لفك شفرة هذا السؤال، يتوجب علينا الغوص في طبقات من التاريخ والجغرافيا والاعتقاد التي شكلت الهوية اليزيدية عبر العصور.
اليزيدي وش يرجع؟ الجذور العرقية والتاريخية
عندما نتساءل اليزيدي وش يرجع، فإننا نتطرق إلى مجموعة معقدة من العوامل العرقية والتاريخية. يعتقد العديد من الباحثين أن اليزيديين هم من نسل الشعوب الكردية الأصلية في منطقة بلاد ما بين النهرين، وتحديداً في شمال العراق والمناطق المجاورة في سوريا وتركيا وإيران. اللغة الأم لليزيديين هي الكرمانجية، وهي إحدى اللهجات الكردية، مما يعزز هذا الارتباط العرقي. تاريخياً، سكن اليزيديون هذه المناطق لآلاف السنين، محافظين على وجودهم وهويتهم الدينية الفريدة رغم التحديات والصراعات المتتالية التي شهدتها المنطقة. يُظهر تاريخهم سلسلة من المقاومة والحفاظ على الذات في وجه الاضطهاد، مما أدى إلى بناء مجتمع متماسك وذو جذور عميقة في ترابه الأصلي.
أصول الديانة اليزيدية: هل هي قديمة أم حديثة؟
الإجابة على سؤال أصول الديانة اليزيدية تأخذنا إلى عالم من المعتقدات القديمة التي سبقت العديد من الديانات الإبراهيمية. غالبًا ما يُنظر إلى اليزيدية على أنها ديانة توحيدية قديمة، ذات عناصر مستمدة من الديانات الميزوبوتامية القديمة، الزرادشتية، المانوية، بالإضافة إلى تأثيرات من الإسلام والمسيحية والصوفية، ولكنها ليست فرعاً لأي منها. محور إيمانهم هو “طاووس ملك”، رئيس الملائكة، الذي يُعتبر تجسيداً للإرادة الإلهية في الخلق والعناية بالعالم. تُعد النصوص المقدسة اليزيدية، مثل “مصحف رش” (كتاب التجلي) و”كتاب الجلوة” (كتاب الكشف)، مصادر رئيسية لفهم أصولهم الروحية والفلسفية. هذا التنوع في التأثيرات لا يعني أن اليزيدية ديانة حديثة التركيب، بل يشير إلى قدرتها على التفاعل مع الثقافات والمعتقدات المحيطة بها مع الاحتفاظ بجوهرها الأصيل والفريد عبر آلاف السنين.
اليزيدية: قبيلة أم طائفة ذات هوية مستقلة؟
الخلط بين مفهومي القبيلة والطائفة غالباً ما يطرح سؤالاً: اليزيدية قبيلة أم طائفة؟ والإجابة هي أنها في جوهرها طائفة دينية، ولكنها أيضاً تتمتع بهوية اجتماعية وعرقية متجذرة. اليزيديون ليسوا قبيلة بالمعنى التقليدي الذي يشير إلى نسب عائلي واحد، بل هم مجموعة دينية تجمع أفراداً من أصول عرقية كردية بشكل رئيسي، يرتبطون ببعضهم البعض من خلال عقيدة مشتركة ونظام اجتماعي محدد. مجتمعهم مقسم إلى طبقات اجتماعية وراثية (مريدون، شيوخ، بيران)، وهي بنية اجتماعية متوارثة عبر الأجيال وتلعب دوراً هاماً في الحفاظ على نقاء العقيدة والممارسات الدينية. هذه البنية تعكس مدى ارتباط الهوية الدينية بالهوية الاجتماعية والثقافية لدى اليزيديين، مما يجعلهم أكثر من مجرد “أتباع دين”؛ إنهم شعب ذو ثقافة وتقاليد ونسب تاريخي خاص به.
اليوم اليزيدية: أين يعيشون ومن هم؟
اليوم اليزيدية يعيشون بشكل رئيسي في شمال العراق، وتحديداً في منطقة سنجار وسهل نينوى، بالإضافة إلى وجود تجمعات أصغر في سوريا وتركيا وأرمينيا وجورجيا. في السنوات الأخيرة، أدت حملات الاضطهاد، خصوصاً تلك التي شنها تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، إلى نزوح أعداد كبيرة منهم وهروبهم إلى الشتات في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا. ورغم هذه الكوارث، لا يزال اليزيديون متمسكين بهويتهم ولغتهم وعاداتهم. يظهرون صموداً لافتاً في الحفاظ على تراثهم الديني والثقافي الفريد. عندما نسأل اليزيدي وش يرجع في سياق العصر الحديث، فإن الإجابة تتجاوز مجرد الماضي لتمتد إلى حاضر مليء بالتحديات، ولكنه أيضاً مليء بالإصرار على البقاء والحفاظ على إرث أجدادهم، مع نقل قصصهم وتجاربهم إلى الأجيال القادمة. فهم أمة لا تتخلى عن جذورها التاريخية والدينية، مهما عظمت التحديات.

